الخطيب الشربيني

167

مغني المحتاج

النفس كملابسة القاذورات ، ( ليس كفء أرفع منه ) واستدل لذلك بقوله تعالى : * ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) * أي في سببه فبعضهم يصل إليه بعز وراحة ، وبعضهم بذل ومشقة ، وبقوله تعالى : * ( قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) * قال المفسرون : كانوا حاكة ولم ينكر عليهم هذه التسمية . ( فكناس وحجام وحارس وراع وقيم الحمام ) ونحوهم كحائك ، ( ليس كفؤ بنت خياط ) والظاهر أن هؤلاء أكفاء لبعضهم بعضا ، ولم أر من تعرض لذلك . ( ولا خياط بنت تاجر أو ) بنت ( بزاز ) والظاهر أن كلا منهما كفء للآخر ، ولم أر أيضا من ذكره : ( ولا هما ) أي التاجر والبزاز ( بنت عالم و ) بنت ( قاض ) نظرا للعرف في ذلك ، وصرح به ابن أبي هريرة بأن من أبوها بزاز أو عطار لا يكافئها من أبوه حجام أو بيطار أو دباغ قال الأذرعي : وإذا نظرت إلى حرفة الأب فقياسه النظر إلى حرفة الأم أيضا ، فإن ابن المغنية أو الحمامية ونحوها ينبغي أن لا يكون كفؤا لمن ليست أمها كذلك لأنه نقص في العرف وعار اه‍ . والأوجه عدم النظر إلى الأم . قال في الروضة : وذكر في الحلية أنه تراعى العادة في الحرف والصنائع ، فإن الزراعة في بعض البلاد أولى من التجارة ، وفي بعضها بالعكس اه‍ . وذكر في البحر نحوه أيضا ، وجزم به الماوردي ، وينبغي كما قال الأذرعي الاخذ به . قال الأذرعي : وعلى اعتبار ما ذكره في الكتاب ينبغي أن تكون العبرة بالعالم الصالح أو المستور دون الفاسق ، وأما القاضي فإن كان أهلا فعالم وزيادة ، وإن كان غير أهل كما هو كثير وغالب في القضاة في زماننا نجد الواحد منهم كقريب العهد بالاسلام ففي النظر إليه نظر اه‍ . بل ينبغي أن لا يتوقف في مثل ذلك . قال في الأنوار : وإذا شك في الشرف والدناءة أو في الشريف والأشرف أو الدنئ والأدنأ ، فالمرجع عادة البلد ، والحرفة الدنيئة والفسق في الآباء ، قال الشيخان : يشبه أن يكون حال من كان أبوه صاحب حرفة دنيئة أو مشهورا بالفسق مع من أبوها عدل كما ذكرنا فيمن أسلم بنفسه مع من أبوها مسلم . قال الرافعي : والحق أن يجعل النظر في حق الآباء دينا وسيرة وحرفة من حيز النسب ، فإن تفاخر الآباء هي التي يدور عليها أمر النسب . ونقل الأسنوي عن الهروي في إشرافه أنه لا أثر لما ذكر كولد الأبرص ، وبه صرح جماعة منهم القاضي أبو الطيب والماوردي والروياني ، والأوجه اعتباره كما تقدم في ولد الأبرص أيضا . فإن قيل : كيف يعد الرعي من الحرف الدنيئة مع أنها سنة الأنبياء في ابتداء أمرهم ؟ أجيب بأنه لا يلزم من ذلك كونه صفة مدح لغيرهم ، ألا ترى أن فقد الكتابة في حقه عليه الصلاة والسلام معجزة فتكون صفة مدح في حقه ، وفي حق غيره ليست كذلك ؟ وما تقدم في المتن معتبر في الكفاءة جزما . وأشار لما فيه الخلاف منها بقوله : ( والأصح أن اليسار لا يعتبر ) في خصال الكفاءة ، لأن المال ظل زائل وحال حائل ومال مائل ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر . والثاني : يعتبر ، لأنه إذا كان معسرا لم ينفق على الولد وتتضرر هي بنفقته عليها نفقة المعسرين ، استدل له بقوله ( ص ) : أما معاوية فصعلوك لا مال له . وقال الأذرعي : إنه المذهب المنصوص الأرجح دليلا ونقلا ، وبسط ذلك . نعم على الأول لو زوج الولي بالاجبار معسرا بمهر المثل لم يصح التزويج كما مرت الإشارة إليه ، وليس هذا مبنيا على اعتبار اليسار كما قاله الزركشي بل لأنه بخسها حقها فهو كتزويجها بغير كفء . ولا يعتبر أيضا الجمال والبلد ولا السلامة من عيب آخر منفر كالعمى والقطع وتشوه الصورة ، وإن اعتبرها الروياني . وصحح في زيادة الروضة كون الجاهل كفؤا للعالمة ، ورجح الروياني أنه غير كفء لها ، واختاره السبكي ورد على تصحيح الروضة بأن المصنف يرى اعتبار العلم في الأب فاعتباره في نفس المرأة أولى اه‍ . وهذا متعين ، ولذلك أسقط ابن المقري ما في الروضة من روضه . قال في زيادة الروضة : وليس البخل والكرم والطول والقصر معتبرا . قال الأذرعي : وفيما إذا أفرط القصر في الرجل نظر . وينبغي أن لا يجوز للأب تزويج ابنته بمن هو كذلك ، فإنه ممر تعير به المرأة اه‍ . فائدة : قال الإمام الغزالي : شرف النسب من ثلاث جهات : إحداها الانتهاء إلى شجرة رسول الله ( ص ) فلا يعادله شئ . الثانية : الانتماء إلى العلماء فإنهم ورثة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وبهم ربط